الدويش أيها المسلم، أنت على ثغر في قضية الانحراف الفكري فالله الله أن يؤتى الإسلام من قِبَلِك
أكَّد فضيلة الشيخ الدويش على أنَّ محاور المؤتمر الذي عقد في المدينة المنورة تحت عنوان "الإرهاب بين فكر التطرف وتطرف الفكر" بفروعها، مع توصياته هي وبكل أمانة بمثابة خطة استراتيجية رائعة لمواجهة فكر التطرف وتطرف الفكر، وقد تطرقنا قبلاً للمحاور الأربعة لهذا المؤتمر وهنا نستعرض توصياته لتكون بمثابة دليل إرشادي ليعرف كل منا دوره في مواجهة هذه الظاهرة المؤرقة المهددة لأمننا وأماننا، وقد تمخَّض المؤتمر عن عشرين توصية، تحت كل منها عدة نقاط، كل توصية ترسم لكل منا الدور المنوط به، وهذه التوصيات هي:
الأولى: رسم المؤتمر للأسرة المسلمة خمس مهام للقيام بدورها؛ فعليها تربية الأبناء على ثقافة الحوار وقبول الآخر؛ وتحذيرهم من رفقة السوء، وحثهم على صحبة الأخيار، والتحلي بالأخلاق الإسلامية، والاقتداء بالقدوة الحسنة؛ وحمايتهم من مخاطر الفضائيات المشبوهة، ومواقع الإنترنت الإباحية والمغرضة والمتطرفة؛ وعليهم التنبه إلى خطورة النقد الاجتماعي غير المسئول أمام الناشئة... وأوصي بتكريم ودعم الأسر التي تسهم في حماية أبنائها من الانخراط في صفوف الجماعات المتطرفة، أو في عودة ابنها الضال إلى طريق الحق والاستقامة والولاء للوطن.
الثانية: حث الجاليات المسلمة في الدول غير الإسلامية على تشجيع أبنائهم على الاعتدال في فهم الإسلام وحسن الجوار واحترام الآخر والتقيد بالأنظمة، كما حث حكومات تلك الدول على احترام حقوق تلك الجاليات والتعامل معها بالمساواة كبقية أفراد المجتمع... وأوصي كل جالية بتوحيد جهودها إزاء القضايا الإسلامية المصيرية.
الثالثة: أوصي شباب المسلمين بالتمسك بوسطية الإسلام واعتداله وتسامحه مع الآخر، والالتفاف حول القيادات في بلدانهم، والحذر من مفارقة جماعة المسلمين ، وأخذ الدين عن علمائه المتخصصين الثقات والمعروفين بوسطيتهم، ونبذ التفسيرات الخاطئة لقضايا التكفير والجهاد والولاء والبراء...ولهذا أوصي شباب المسلمين بتكثيف مواقع الدعوة إلى الإسلام وبيان سماحته ووسطيته والدفاع عنه على شبكة الإنترنت، بعد تحصنهم بالعلم الشرعي الصحيح، وإجادة ثقافة الحوار مع الآخر.
الرابعة: دعا الجماعات المتطرفة المنتسبة إلى الإسلام إلى اتقاء الله عز وجل في الإسلام والمسلمين، وأن تفكر تفكيراً جاداً وواعياً بما أصاب الإسلام والمسلمين على أيديهم وبسببهم من كوارث ونكبات؛ وأن تكف عن إقحام الإسلام في خطابها الإعلامي الضال؛ وأن تتوقف عن ارتكاب الأعمال الإجرامية ، وتعود إلى رشدها وتسلك سبيل الجماعات التي أعلنت عن توبتها وتبرُّئِها من الأعمال الإرهابية.
الخامسة: دعا المؤسسات الدينية لتفعيل رسالتها السامية في إعداد الأئمة للقيام برسالة المسجد على الوجه المطلوب وتفعيل دوره التوعوي بتبصير المجتمع بأضرار الغلو والتطرف ومخاطر الإرهاب؛ وتقديم خطبة الجمعة بأسلوب يواكب متطلبات واحتياجات العصر، مشتملة على تصحيح المفاهيم الخاطئة والأفكار المنحرفة، مبتعدة عن أساليب الإثارة المحفزة على الغلو والتطرف؛ وتكثيف جهود الدعاة من خلال العمل الميداني لتوعية وتبصير الشباب بشأن الانحرافات الفكرية وما يترتب عليها من مخاطر وأضرار... وتحقيقاً لذلك حثَّ المؤتمر الدول الإسلامية على إنشاء معاهد أو مراكز متقدمة لإعداد وتأهيل الأئمة والدعاة.
السادسة: دعا المؤسسات التعليمية في الأقطار الإسلامية أن تضمِّن مناهجها وبرامجها التعليمية والتثقيفية ما يحقق تعزيز تدريس التربية الإسلامية؛ وتعزيز الانتماء الوطني لدى الناشئة من طور الطفولة المبكرة؛ ونشر ثقافة الوسطية والاعتدال والحوار وأدب الاختلاف وقبول الآخر؛ وتصحيح مفاهيم الطلاب في قضايا التكفير والجهاد والولاء والبراء، وبيان حقوق الولاة والعلماء، والرد على الأفكار المنحرفة التي تثيرها الفئات الضالة من خلال المناهج الدراسية والأنشطة اللاصفية... وتفعيلاً لما تقدم أوصي المؤتمر كل مؤسسة تعليمية بتقديم جائزة مالية سنوية تمنح لأبرز المعلمين والمعلمات مساهمةً في نشر فكر الوسطية والاعتدال ، وتعزيزًا للانتماء الوطني بين الطلاب والطالبات.
السابعة: ناشد وسائل الإعلام العربية والإسلامية باحترام الهوية الإسلامية فيما تبثه وتنشره من برامج ورسائل إعلامية؛ وتكثيف البرامج التوعوية والحوارية والرسائل الإعلامية المثمرة حول وسطية الإسلام واعتداله وسماحته؛ وتجنب الانزلاق وراء ترديد ما تبثه بعض وسائل الإعلام الدولية من رسائل مغلوطة ومشوهة لصورة الإسلام والمسلمين؛ ودعوة وزارات الثقافة والإعلام إلى إصلاح الخطاب الإعلامي، ووضع ميثاق شرف للقنوات الفضائية لتجنب ازدراء القيم والرموز الإسلامية ، والابتعاد عن البرامج الحوارية مع أدعياء العلم الشرعي، والبرامج المثيرة للغرائز، والمؤججة للحقد الاجتماعي المؤدي إلى فكر التطرف، وتجنب التغطيات الإعلامية المغلوطة التي تهدف إلى الإثارة؛ كما دعا المؤتمر رابطة العالم الإسلامي إلى إنشاء هيئة إعلامية إسلامية تعمل على تحسين صورة الإسلام وتَتَبُّع الرسائل المناوئة والمغلوطة والرد عليها مباشرة.
الثامنة: ناشد وسائل الإعلام العالمية التعرف على حقيقة الإسلام باعتباره ديناً سماوياً عالمياً تسوده قيم المحبة والسلام والعدالة والحرية والتسامح واستيعاب الآخر، وتجنب التشويه المتعمد لصورة الإسلام، وأكد المشاركون في المؤتمر على رفضهم الإساءة إلى دين الإسلام ونبي الرحمةr والقرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة والصحابة الكرام، وحثَّ المشاركون أثرياء المسلمين على افتتاح قنوات فضائية ناطقة باللغات العالمية الحية غير العربية للتعريف بالإسلام والدعوة إليه، كما حثهم على ترجمة الأعمال العلمية لعلماء المسلمين الراسخين في العلم إلى اللغات العالمية الرئيسة وطبعها ونشرها بين أوساط غير المسلمين.
التاسعة: حث قيادات وحكومات الدول الإسلامية على تطبيق الشريعة الإسلامية في جميع مجالات الحياة؛ ودعم هيئات وجمعيات حقوق الإنسان؛ ودعم المشاريع التنموية والحد من البطالة ومعالجة مشكلات العشوائيات السكنية والقضاء على التهميش الاجتماعي للشباب؛ وتفعيل رسالة المسجد ودور الأسرة ومؤسسات التنشئة الاجتماعية والتعليمية والإعلامية والأسرية في تعزيز الوسطية وتصحيح المفاهيم الخاطئة عند الشباب؛ والحفاظ على الطبقة الوسطى من التآكل والتهميش؛ وتشكيل هيئة عليا للتنسيق بين جهود الجهات المعنية بالمعالجة الفكرية والإعلامية للإرهاب.
العاشرة: ناشد المنظمات الدولية المعنية بمكافحة الإرهاب بالتعامل بموازين عادلة مع كافة القضايا الدولية، وتجنب التعامل بمعايير مزدوجة مع المسلمين وقضاياهم العادلة؛ والتصدي لإرهاب الدولة الذي تمارسه إسرائيل ضد المدنيين الفلسطينيين العزل؛ واتخاذ التدابير اللازمة ضد الدول المتورطة في إمداد الجماعات الإرهابية بالسلاح أو بالمال، أو تجعل من أراضيها ملاذا آمنا للمتطرفين من دول أخرى.
الحادية عشرة: دعا جميع القوى المحبة للسلام في العالم إلى حل النزاعات في العالم الإسلامي حلاً عادلاً يحقق تطلعات الشعوب الإسلامية ، حيث أصبحت هذه النزاعات عاملاً أساسياً تستغله الجماعات المتطرفة لتحقيق مآربها.
الثانية عشرة: طالب بإعادة بناء الموقف العالمي المناهض للإرهاب على أسس جديدة أكثر عقلانية وعدالة، وفي إطار غير عنصري،يتبنى سياسة الحوار بين الأديان، وينبذ فكرة الصراع بين الحضارات.
الثالثة عشرة: أكَّد على ضرورة وضع مفهوم دولي موحد للإرهاب، درءًا للاستغلال السيئ له وفقًا للمصالح الخاصة بكل دولة.
الرابعة عشرة: أوصي بتشجيع البحوث والدراسات، وعقد المؤتمرات والندوات وورش العمل وحلقات النقاش في مجالات ظواهر الغلو والتطرف والإرهاب، والتعرف على مصادرها ومناهجها وأسبابها ودوافعها ومخاطرها، ووضع الحلول الفعالة لمواجهتها والحد من انتشارها، وإنشاء قاعدة بيانات ومعلومات لما تقدم؛ ودعا المشاركون في المؤتمر الدول الإسلامية ودعاتها والمختصين فيها بالشأن الديني إلى رصد وجمع الشبهات التي يثيرها أصحاب الغلو والتطرف، والرد عليها بالردود المناسبة الكفيلة بتفنيدها، ونشرها بجميع الوسائل وتسهيل الحصول عليها؛ كما شجع المشاركون مبادرات المراجعات التي تقوم بها بعض الجماعات وقياداتها، ودعوا إلى نشرها، ونشر ما أدى إليها من حوارات، وتزويد الراغبين فيها للاستفادة منها.
الخامسة عشرة: أكَّد على قناعاته بتبني تعريف الإرهاب الصادر عن مجلس وزراء الداخلية ومجلس وزراء العدل العرب الذي اعتمده المجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي ، حيث إن مصطلح الإرهاب قد اتُّخِذَ ستاراً للطعن في الإسلام وتشويه صورة المسلمين، والتدخل الخارجي في الشئون الداخلية للدول الإسلامية، وتعطيل المساعدات الإغاثية والإنسانية للمنظمات الإسلامية لأسباب لا علاقة لها بالإرهاب؛ وأنَّ الإرهاب لا يختص بدين أو عرق أو جنسية أو دولة بعينها، و إنما هو ظاهرة عالمية تمارسها جماعات تنتمي إلى مختلف الأديان والأعراق والأجناس والدول؛ ويرفض المؤتمر جميع العمليات الإرهابية أينما وقعت ومن أي جماعة كانت، ويأسف لما ينجم عنها من إزهاق لأرواح الأبرياء وتشريد للأسر وترويع للآمنين وإتلاف للأموال والممتلكات وتعطيل لعمليات التنمية، كما يرفض النزعات الانتقامية، وردود الأفعال المفرطة في استخدام القوة، ويدين كل أذى يلحق المدنيين العزل والمنشات المدنية تحت مزاعم مكافحة الإرهاب الدولي والذي من شأنه إعاقة الجهود المبذولة لمواجهة الأفكار الضالة؛ وأنَّ مفهوم الجهاد في الإسلام مفهوم نبيل يختلف في مشروعيته وأهدافه عن الممارسات الخاطئة لبعض الجماعات المنحرفة عن الإسلام؛ وأنَّ الإعلام العالمي مسؤول عن محو صورة نمطية مشوهة رسمها البعض عن الإسلام والمسلمين.
السادسة عشرة: أشاد المشاركون في المؤتمر بجهود خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود، وتبنيه لقضايا الحوار الوطني والحوار بين الحضارات، وما لذلك من أثر بالغ في قبول الآخر والقضاء على منابع فكر التطرف والإرهاب؛ لذا دعا المؤتمر كافة العلماء والمفكرين والمثقفين في العالم أجمع إلى الوقوف في وجه دعوة صراع الحضارات، والمواجهة بين الأديان، وإثارة النزاعات والفتن العنصرية التي تستهدف الإسلام والمسلمين وغيره من الأديان السماوية.
السابعة عشرة: عبر المشاركون في المؤتمر عن تأييدهم لاقتراح المملكة إنشاء مركز دولي لمكافحة الإرهاب الوارد في ختام أعمال المؤتمر الدولي لمكافحة الإرهاب الذي تم عقده في مدينة الرياض.
الثامنة عشرة: أشاد المشاركون في المؤتمر بجهود المملكة العربية السعودية في مكافحة الإرهاب أمنياً وفكرياً، وفي معالجتها الحكيمة للفكر الضال بما استحدثته من لجان للمناصحة وإعادة التأهيل والرعاية اللاحقة لمعتنقي الفكر الضال.
التاسعة عشرة: أشاد المشاركون بجهود علماء المملكة العربية السعودية في تصديهم وتصحيحاتهم للأفكار المنحرفة وكشفهم لتلبيسات قادة الفكر الضال؛ ولذا دعا المؤتمر الدول المعنية بمكافحة الإرهاب إلى الاستفادة من التجربة السعودية في هذا المجال.
الأخيرة: تقديم الشكر والامتنان للموافقة السامية على عقد هذا المؤتمر، واستضافة المملكة للمؤتمر في رحاب الجامعة الإسلامية؛ ثم التوصية برفع توصيات المؤتمر إلى وزارة التعليم العالي والجهات ذات العلاقة لتفعيل ما ورد في بنود التوصيات.
وسأل الشيخ الدويش الله الشكر للجميع وخاصة الجامعة الإسلامية على اختيار هذا الموضوع وبذلها هذا الجهد الكبير لتكون هذه النتائج متمثلة في هذه التوصيات التي استعرضناها.
وأكَّد فضيلته على أنَّ معالجة ظاهرة التطرف تحتاج لجهود وتعاون الجميع في تفعيل هذه التوصيات على أرض الواقع كل من خلال مركزه وموقفه، وكم هو جميل مراجعة هذه التوصيات في هذا الموضوع الخطير، مع النفس ومع الغير، في البيت مع الأسرة والأولاد، وفي المدرسة مع الزملاء والطلاب، بل وفي مؤسساتنا الإعلامية وفي جلساتنا ومنتدياتنا وأحاديثنا، فهي ثقافة مجتمع ووعي وتوعية.
وأثنى فضيلته على ما قدمه المؤتمر، فهو جهد كبير ومتخصص ونتاج عقول وأفكار وثمرات فكر العلماء والمتخصصين؛ وأكَّد على أنه لا يجب أن تطوى هذه الجهود بختام المؤتمر، وتنسى خططه ومحاوره وتوصياته مع الأيام والشهور، فهو مؤتمر لا كالمؤتمرات، فموضوعه قضية أمة وفتنة عصر، سالت فيها دماء وأزهقت فيها أنفس، وظلمت فيها نفوس وفئات، ودُمرت فيها حضارات، وبُددت أموال وثروات؛ ونادى بصوت ناصح هلا استثمرنا الفرصة قبل أن تضيع، فهيا نتواصى كل بما يستطيع لاستثمار هذا الجهد ونشره وتحويله لثقافة ووعي وتطبيق، وليس هذا صعباً إذا صدقت النوايا، وتضافرت الجهود.