قصة موسى(6) المواجهة الكبرى (موسى مع السحرة) في 12/4/1429هـ
الحمد لله الذي أنزل آيات بينات، وفصلها سورًا وآيات، وصلى الله وسلم على نبي الْمَكْرُمَاتِ، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم حتى الممات. أمّا بعد: أيّها النَّاس! اتقوا ربكم واشكروه فقد أنعم عليكم بالقرآن، وجعله سدًّا منيعًا لمواجهة فتن الشبهات والشهوات، وكلنا في مثل هذا الزمن يحتاج للقرآن؛
كتاب الله للأرواح روح به تحيا النفوس وتستريح
عباد الله! ما زال الحديث عن قصص القرآن، وما زلنا مع قصص موسى عليه السلام في حلقته السادسة، فبعد مواجهته لفرعون وجهًا لوجه وإفحامه بالحجج والأدلة العقلية والحسية، كانت المواجهة، وكان الموعد المنتظر مع السحرة،{قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى}فماذا حدث في تلك المواجهة؟ ما الذي جرى بين موسى والسحرة؟ كيف سارت أحداث يوم العيد؟ ما الذي جرى على أرض المهرجان؟ كما أخبر القرآن:{فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ*وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ*لعلنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ"(الشعراء38-40)،لقد حضر الناس من كل مكان ليشهدوا ذلك الحفل العظيم، ساعة الضحى من يوم العيد، جاء الناس وأظنهم لا يشكون أبداً بنصرة السحرة، فقد رسخت الضلالة في نفوسهم، ورانت الجهالة على قلوبهم، وهكذا واقع البعض من عوام الناس مع أباطيل السحرة وحيلهم، نسوا أن السحر أصلاً لا يقوم إلا على التخييل والعقد والأوهام، وهاهو فرعون في أبهى زينة وأحلى حلة جالس وقد انتفش بغروره على عرشه بين وزرائه وجنده ووجهاء مصر من حوله، الله وحده أعلم بما يُفكر ويجيش في نفسه؟ وهناك في جهة أخرى على أرض المحفل منظر غريب لم ولن يكون له مثيل، حشد هائل من السحرة، عشرات آلاف من أعتى وأمهر سحرة الدنيا، استجابوا لأمر فرعون فلم يتخلف أحد، أقبلوا بعدتهم وعصيهم وحبالهم، أقبلوا مزهوين فهم فوارس الميدان، وهم جياد الرهان، أقبلوا صفًا واحدًا منتظمًا ليناسب ضخامة المناسبة، وليخيفوا الخصم ويمتلئ قلبه هيبة ووجلاً، أقبلوا مشمرين منتشين، فاليوم يومهم، فهي ساعة مباراة ومنازلة، الفائز فيها هو: سيد وبطل الموقف، فجأة انبرى بعض السحرة واتجهوا إلى مكان فرعون، كما قال تعالى:{وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ*قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ} (الأعراف113، 114)،ليس فقط أجر بل مناصب ووجاهة فأنتم مناط الأمل الفرعوني، وأنتم محط الرجاء، ثم لا تعجبوا من تفاوضهم ومتاجرتهم مع ربهم الأعلى، وفي مثل هذا الموقف العصيب، فلا غرابة فهم يعلمون زيف فرعون ودجله، ويعرفون الحق، لكنهم شركاء بالباطل، شركاء بالتزييف والدجل على الناس، أليسوا هم صناع الأوهام وأدوات السيطرة والتأثير، إذا هي غنيمة لهم، والموقف فرصة استثمارية لا تعوض، وهكذا السحرة والنفعيون دائماً أهل طمع وشره، واستغلال لكل مناسبة لحصد أكبر المكاسب؟!كل هذا وموسى عليه السلام مع هارون واقفان يسمعان ويشاهدان، والعجيب أن موسى تقدم إلى مكان السحرة، ثم وقف أمامهم وإذا به يخاطبهم بقوله: {وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى} أيها السحرة! الويل لكم إن افتريتم الكذب على الله، فدعوتم أن معجزاته سحرًا، ويل لكم إن لم تصارحوا فرعون بالحق الساطع، من احتال منكم وكذب فقد باء بالعذاب الأليم، كان بإمكان موسى أن يكتفي بالمعجزتين دون كلام، لكن كلامه تذكير ووعظ لهم لعل نداء الحق يرن في آذان السحرة، لعله يوقظهم من غشية الضلال، هذا أولاً، ثم ثانيًا: تكلم ليرهبهم ويهز دواخلهم، وليزداد هو قوة وثقة بنفسه وعمله، لكنهم لم يبالوا فقالوا: يا موسى{إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى}فأجاب بكل ثقة {قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ}، استخف بِخَطْبِهم، هيا ألقوا واستنفدوا أقصى وسعكم، وأفرغوا غاية جهدكم،{فأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ}،كانوا قد أخذوا حبالاً وعصيًّا فملؤوها الزئبق وغيره من الآلات التي تضطرب بسببها تلك الحبال والعصي اضطرابًا يخيل للرائي أنها تسعى باختيارها، وإنما تتحرك بسبب الزئبق ونحوه، فعند ذلك سحروا أعين الناس واسترهبوهم، وخيل لهم أنها حيات على الأرض تسعى، فشاهد موسى تأثر الناس، فخاف أن يؤخذوا بهذا الظاهر المموه، والباطل المشوه، فينصرفوا عن دعوته مدبرين،{فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى}لكن حماه الله ورعاه:{قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الْأَعْلَى}لا تخف فكل هذا كيد ساحر{وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى}عندها هدأت نفس موسى،{فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ}عندها أظ هر الله سلطانه، فقذف بالحق على الباطل{فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ}الله أكبر! ألقى عصاه، فإذا هي ثعبان عظيم فاغرٌ فاه، فابتلع جميع حبالهم وعصيهم، فجعلت تلقف وتبتلع سحرهم، وهم ينظرون بدهش، أين ذهبت كل هذه الحبال؟! أين ذهبت العصي؟! والثعبان لا تمر بشيء من حبالهم وخُشُبهم التي ألقوها إلا التقمته، حتى لم يتبق شيء مما ألقوه، ثم أخذها موسى، فإذا هي عصاه في يده كما كانت{فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ*فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَانقَلَبُواْ صَاغِرِينَ} الله أكبر وقع الحق وثبت وانتصر، واندحر الباطل الذي كان انتفاشه يسحر العيون، ويسترهب القلوب، انتفاش الباطل جعل الكثيرين يُخيل لهم أنه غالب، وأنه جارف، لأنه ظهر أنه صاحب القوة والصولة، لكن ما هو إلا أن يواجه الحق الهادئ الواثق حتى تذهب ريحه كالفقاعة، وينكمش كالقنفذ، وينطفئ كشعلة الهشيم! وإذا الحق راجح الوزن، ثابت القواعد، عميق الجذور، وتأملوا التعبير القرآني هنا يصور الحق واقعاً ذا ثقل: {فَوَقَعَ الْحَقُّ}ثبت واستقر،{وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}.ليس فقط هذا، بل أيضاً في هذه اللحظة حصلت المفاجأة الكبرى، والداهية العظمى على فرعون، انقلب السحر على الساحر، اكتشف السحرة الحقيقة، تبينوا صدق موسى، فما رأوه وشاهدوه لا يمكن أبداً أن يكون من قبيل السحر ولا الشعوذة ولا الخيال، بل إنه ليس في مقدور البشر، فهم أعلم الناس بحقيقة السحر وكيف يكون؟ ولا غرو أليسوا أمهر وأعتى السحرة؟! ولذا سرعان ما انقلبت الأمور بقدرة الواحد الأحد، بقدرة القادر القاهر تغيرت مُجريات الأحداث ،فتحول السحرة من التحدي السافر إلى التسليم المطلق، فسبحان مقلب القلوب،{وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ*قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ*رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ}إنه إيمان العالم الخبير بالشيء، فقد كان إيمانهم خشوعًا لهيبة الحق، وإكبارًا للعلم، فقد جاءتهم المعجزة بتخصصهم، وقارعهم موسى بفنهم، فكان إيمانهم عن علم، ولذا كان اليقين، ثم كان الثبات على الدين، إذاً علمٌ فيقينٌ فثبات، نسأل الله العلم الموصل لليقين المثمر للثبات. كل هذه الأحداث وفرعون يرى وبسمع وهو يتلفت كالمجنون ألجمته المفاجئات، فزع لما رأى السحرة هزموا، وصعق لما رأى هذا الجم الغفير من السحرة ساجدين، فغلت مراجل الحقد في صدره، واحتدم غضبه وغيظه، كيف وقد جاء بهم لنصرته وتقوية سلطانه، فإذا هي عاصفة هوجاء تقوض عرشه وبنيانه، فصرخ بالسحرة غاضباً وهم بحضرة جماهير الناس:{..آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ}هلا شاورتموني؟! على أقل تقدير هلا حفظتم ماء وجهي ولم تفعلوا هذا أمام وزرائي وجندي ورعيتي؟! فأرغى وأزبد، ثم هدد وتوعد، {إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُواْ مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} وهكذا دومًا ضعفاء الحجة ففي كل مرة يفشلون، يلجأون إلى إبراز المخالب والأنياب، وعندما يعجزون عن مقابلة البرهان بالبرهان، لا يجدون سوى لهجة التحقير والتهديد، إنه أستاذكم إنه كَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ، لقد خططتم واتفقتم معه{فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ}إذاً هي الفتنة والمحنة والعذاب، وليس قطع فقط بل تقطيع، وهو: شدّة القطع، ولن يُقطعها من جانب واحد بل (من خلاف) فتقطع اليد اليسرى ثمّ الرجلُ اليمنى، ثم نقطع اليد اليمنى، ثم الرجل اليسرى إمعاناً في التعذيب وإيغالاً في الألم وشدته، مع التصليب، وهو أيضاً ليس مجرد صلب، بل ربط الجسم ودَقُّهُ بمسامير، وليس على لوح مستو كالمعتاد في الصلب، بل على جذوع النخل التي هي أخشن وأشد على الجسم،{وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى}عقابًا لكم أيها السحرة، وتمثيلاً بكم، وعبرة لغيركم فقد كفرتم بنعمتي، ونقضتم ميثاقي، فذوقوا قوة بأسي، وشدة عذابي، طغيان وجبروت، وقلب مظلم أقسى من الحجر، فماذا كان رد السحرة؟! كيف كان موقفهم أمام هذه الفتنة الشديدة؟ كيف سيواجهون هذا الطغيان السافر؟! كان بإمكانهم التمويه، كان بإمكانهم إخفاء إيمانهم، فهم تحت ضغط وإكراه واضطرار، لكنهم فاجأوا فرعون والجماهير المحتشدة بقولهم:{لَا ضَيْرَ..}يا الله! سيقتلكم أيها السحرة{لَا ضَيْرَ..}، سيقطع أطرافكم قطعة قطعة{لَا ضَيْرَ..}، ستصلب أجسادكم ويُدق فيها المسامير{لَا ضَيْرَ..}ستتعذبون ويُمثل بكم{لَا ضَيْرَ..}،{لا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ*إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ}، سبحان الله أي صلابة هذه؟ أي إيمان هذا؟! إنكم للتو تؤمنون؟! فما السر في ثباتكم؟ من أجل أي شيء تتحملون كل هذا؟يا الله! من سحرة إلى أتقياء بررة، ولا غرو ولا عجب فقد انقشع حجاب الكفر عن قلوبهم، وحل محله الإيمان، فبعد علم اليقين وبعد حق اليقين شاهدوا عين اليقين بأعينهم، ووقفوا عليه بأنفسهم، فقوة اليقين، وحلاوة الإيمان، وفيض العلم، وجلاء البرهان ربطت على قلوبهم، فقالوا لفرعون بكل تحدٍّ وجرأة:{..لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا}سبحان الله! أي موقف هذه الذي قلب كيانهم وهز دواخلهم فجعلهم يدركون حقيقية الدنيا وحقارتها، فأين من يتعظ؟ أين من يعتبر؟{..فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} فمهما ملكت يا فرعون فلن يعدو ملكك وكنوزك وقتاً قصيراً، فالدنيا دار زوال ونحن قد رغبنا في دار القرار، رغبنا بالجوار، للعزيز الغفار، لسان مناجاتهم وحبهم لربهم يردد:
فليتك تحلو والحياة مريرة وليتك ترضى والأنام غضاب
وليت الذي بيني وبينك عامر وبيني وبين العالمين خراب
إذا صح منك الود فالكل هين وكل الذي فوق التراب تراب
اللهم يا حي يا قيوم نسألك رضاك، اللهم املأ قلوبنا بحبك، واجعله فوق كل حب ومحبوب، إنه حب الله أيها المحبون، إنه اليقين بالله أيها المؤمنون، إنه الإيمان أقوى زاد للقلب وأعظم سلاح على وجه الأرض،"قَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ يُؤْخَذُ الرَّجُلُ فَيُحْفَرُ لَهُ فِي الْأَرْضِ فَيُجْعَلُ فِيهَا، فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُجْعَلُ نِصْفَيْنِ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ وَعَظْمِهِ، فَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللَّهِ لَيَتِمَّنَّ هَذَا الْأَمْرُ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ"، صلى الله على حبيبنا، وهل أهلكنا اليوم سوى الاستعجال، وضعف الإيمان، فحينما يدرك الإنسان حقيقة الإيمان بصدق، ويذوق حلاوته بحق، فلا والله يفزع ولا يتزعزع، ولا والله يخضع ولا يخنع، بل يزداد حرصاً لنشر هذا الخير والنور للناس كل الناس، ولذا تدبروا قول السحرة وهم يريدون أن يصل الحق للجماهير المحتشدة في يوم الزينة، فقالوا ناصحين لفرعون ومشفقين،وهي وصية منهم حتى اليوم للغافلين والمعاندين، فقالوا:{إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى*إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيى* وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى*جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاء مَن تَزَكَّى}، وفي موضع آخر قالوا لفرعون معَرِّضين للجمهور أيضًا إنك يا فرعون تحارب الإيمان وتحارب الحق فقالوا:{وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءتْنَا - ليس لنا ذنب عندك إلا إيماننا، ثم توجهوا قبل قتلهم واستعانوا بربهم بدعاء وانكسار- رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ}قال سعيد بن جبير وغيره: "لَمَّا سجد السحرة رأوا منازلهم وقصورهم في الجنة تُهيأ لهم، وتزخرف لقدومهم، ولهذا لم يلتفتوا إلى تهويل فرعون وتهديده ووعيده". قال ابن عباس حين قالوا {رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ}قال: كانوا أوّل النهار سحرة، وفي آخره شهداء بررة، فسبحان مغير القلوب! سبحان مبدل الأحوال! سبحان من جعل فرعون سبباً في جمعهم من كل فج عميق، ومن كل واد سحيق، ومن حواضر مصر والأطراف، ومن المدن والأرياف، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء،{وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ}،"بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنْ الدُّنْيَا"كما في مسلم، نسأل الله لنا ولكم الثبات على الإيمان، وأن يحسن لنا جميعا الختام، برحمتك يا رحمن. إخوة الإيمان! إن في ثبات السحرة وصلابة إيمانهم، ووقوفهم هذا الموقف المتين في وجه فرعون، رغم حداثة إيمانهم لأكبر دليل على أن عقيدة المؤمن متى قامت على أُساس صحيح وعلى تقوى من الله وثقة ويقين صادق بالله أصبحت قوة لا تهزم ولا تقهر، فمن لامست حلاوة الإيمان شغاف قلبه ثبت بإذن الله على الصراط المستقيم في الدنيا والآخرة، والتاريخ يشهد بهذه الحقيقة فالعذاب مع حلاوة الإيمان يصير عذبًا، والمحنة منحة، كما هو حال السحرة هنا بعد إيمانهم، وكما كان بلال بن رباح مع العذاب في صحراء مكة ورمالها الملتهبة، فكانوا يأتون بحجر متسعر كالحميم ينقله بضعة رجال ويلقون به فوق صدره، ويصيح به جلادوه (اذكر اللات والعزى) فلا يزيد على قوله: (أحد..أحد)حتى أصبح ظهره أخاديد وحفر من شدة العذاب، فلما سأله الصحابة: كيف كنت تصبر يا بلال على الألم؟ قال كلمة عجيبة تكتب بماء الذهب، قال:"كان عندي حلاوة الإيمان فامتزجت بمرارة العذاب، فاستعذبت العذاب في ذات الله" إنها عذوبة الاستقامة وحلاوتها العجيبة، وأما الذين يتذبذبون و يتراجعون وينتكسون فهؤلاء ما وصلوا إلى الحقيقة، ولا ذاقوا حلاوتها، سئل بعض العارفين عن أناس استقاموا فانتكسوا؟ فقال: والله ما وصلوا، ولو وصلوا ما رجعوا. وهذه الحقيقة التي شهد بها هرقل وهو يسأل أبا سفيان- وقد كان مشركاً- عن النبي وصحبه: أيرتد منهم أحد سخطة على دينه؟ فقال أبوسفيان: (لا). قال هرقل:وَكَذَلِكَ الْإِيمَانُ حِينَ تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ الْقُلُوبَ. نسأل الله الإيمان وحلاوته والثبات حتى نلقى ربنا راض عنا. إخوة الإيمان! بعد هذا الفوز الساحق والغلبة الدامغة استمر موسى في دعوته، فجن جنون فرعون، واحترقت قلوب الزبانية النفعيين حوله{وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآَلِهَتَكَ؟ قَالَ: سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ} إذاً أعلن فرعون الحرب، وقطع الحوار و المناظرات والمواجهات الفكرية، فقد أفسدت بزعمه عقول الناس، رغم كل المعجزات والحقائق التي أبصرها بعينه، عندها بدأت المواجهات العسكرية والمطاردات لموسى ومن معه، فماذا حصل؟ وكيف واجه موسى أعتى طاغية وأكبر قوة عسكرية عرفها التاريخ؟ مواقف وأحداث عجيبة لا تصدق لولا أن القرآن حكاها لنا، سنقف عليها في الخطبة القادمة بمشيئة الله تعالى، بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من القصص والآيات والذكر الحكيم، أقول ما سمعتم وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه.
الخطبة الثانية:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: أيها المسلمون! إن من أعظم وأهمِّ أبواب العلم والوعي الصحيح: تدبر القرآن، فأين نحن من تدبر القرآن، وفهم آياته ومقاصده{أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} اللهم فقهنا بالدين وارزقنا تدبر القرآن والعمل به يا رب العالمين، اللهم انصر إخواننا المسلمين المستضعفين في فلسطين وفي كل مكان،وكن عوناً لهم يا رب العلمين، وانتقم لهم من الظالمين، اللهم انصر جندك وكتابك وسنة نبيك، وأعل كلمة الحق، اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل الطاعة، ويذل فيه أهل المعصية. اللهم وفق ولاة أمرنا لما تحبه وترضاه، وارزقهم البطانة الصالحة الناصحة، اللهم ألف بين قلوبهم وقلوب رعيتهم، اللهم اشف مرضانا وجميع مرضى المسلمين، وارفع عنهم البلاء برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم لا حول ولا قوة لنا إلا بك، فلا تكلنا إلى أنفسنا أو لأحد من خلقك طرفة عين، اللهم ندعوك برحمتك التي وسعت كل شيء، اللهم اسقنا من بركاتك؛ اللهم اسقنا وأغثنا برحمتك، اللهم انشر رحمتك بين العباد، وأسق الحاضر والباد، اللهم سقيا رحمة برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم ارحمنا بالأمطار ورخص الأسعار، اللهم طهر أرضنا من الربا والزنا والغلا والفواحش ما ظهر منها وما بطن، برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم صل وسلم على النبي الأمين، وعلى آله وأصحابه وخلفائه الراشدين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، والحمد لله رب العالمين.