زلزال آسيا في 26/11/1425هـ
الحمد لله الذي خلق لنا الأرض وثبتها، ]وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ(. والحمد الله الذي سخرها لنا وذللها ]هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ(. وصلَّى الله وسلَّم على المبعوث رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وخلفائه الراشدين .
وبعد: ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا(. عباد الله! في ليلة الأحد الرابع عشر من هذا الشهر، وفي آخر أيام السنة الميلادية الرابعة بعد الألفين، حدث حادث في مناطق واسعة من سواحل وجزر ثمان دول جنوب وجنوبي شرقي آسيا، يحمل في طياتها عبرًا ودروسًا، وفي تلك الأراضي السياحية الجميلة، حيث الخضرة وجمال الطبيعة وهدوء مياه البحر، فتلك المناطق اشتهرت في كل بقاع العالم بأنها بلاد السحر والجمال، خاصة ولاية (فوكيت) بتايلند، فجمال الطبيعة من جبال وغابات وبحار وشواطئ، جعلها من أكثر المناطق زيارة في العالم، وكثير هم السياح الأجانب، ممن جاءوا إلى تلك المناطق للاحتفال برأس السنة الميلادية، في ذلك اليوم كانت تعيش تلك الأماكن ليلة هادئة ساكنة، البحر فيها يلقي بمده المعتاد، وانتهت تلك الليلة بما فيها، والله أعلم بما فيها، إلا أن المعهود في مثل تلك المناسبات والأماكن، فرح واحتفالات بأعياد رأس السنة، ولا أظن أن أحدًا يجهل ما يصاحبها من موسيقى صاخبة، ورقص وخمور، وفسق وعري وفجور، خاصة تلك الأماكن، فهي من أكثر المناطق جمعًا للعهر والفساد والفجور، وصالات القمار، مع أنها لا تخلو من ساجد وقائم وقانت، فكثير منها مناطق إسلامية، غارت النجوم في تلك الليلة، وهدأت العيون، وبقيت عين الحي القيوم، حتى إذا تنفس الصبح، وفجأة تنفست معه الأرض بأمر الجبار، فأحدثت هزة عنيفة في قعر المحيط ماجت بها المياه واليابسة، فارتفعت الأمواج إلى قرابة العشرين مترًا، وقيل: ستين مترًا، وبقدرة الجبار جل جلاله تجاوبت لحركة البحار هناك بحار يفصلها عنها عشرات الآلاف من الكيلومترات، وصلت في مداها إلى قريب من القارة الإفريقية، واهتزت لذلك جزر، وذهبت على إثر ذلك سواحل واسعة وجزر كاملة بمن فيها، ووردت تقارير بظهور جزر جديدة قبالة سواحل إقليم اتشيه في سومطرة، كما أدى إلى ارتفاع بعض الجزر السابقة هناك بأكثر من ثلاثة أمتار فوق مستوى سطح البحر، فيما اختفت جزر أخرى من الوجود . سبحان الله! ثمان وأربعون ثانية كانت كافية لتدمير كل شيء. ثمان وأربعون ثانية تململت فيها الأرض ومادت بأهلها واضطربت بمن عليها، فكانت الكارثة، وجاءت الأخبار المفجعة المؤلمة، فقد وصل عدد القتلى حتى الآن نحو مائة وخمسين ألفًا، ففي أندونيسيا وحدها أكثر من تسعين ألف قتيل، وفي سيرلانكا أكثر من ثلاثين ألفًا، وهكذا عشرات الآلاف هنا وهناك، وما زالت الأرقام تتضخم وتزداد، فأعداد الغرقى والمفقودين ومن تحت الأنقاض لا يحصيهم إلا الله، ومئات الآلاف من الجرحى والمصابين، وملايين المشردين والمنكوبين، وآلاف البيوت المدمرة، لا ماء ولا كهرباء، ولا مأوى ولا طعام ولا شراب، لا أدوية ولا مستشفيات، ملايين البشر يبيتون في الشوارع والطرقات، خشية من هزات أخرى، فرق الإنقاذ تقف حسيرة عاجزة، لا تدري ماذا تصنع؟ حتى الشوارع والطرقات لم تعد صالحة للاستعمال، مما عطل جهود هيئات الإغاثة العالمية، ويُحذر المراقبون من وقوع كارثة بسبب الأمراض والأوبئة التي خلّفتها روائح الجثث والمستنقعات، ومصافي النفط تحترق وترسل سحابها الأسود يلوث الأجواء، ومحطات المياه تنفجر ويخشى من اختلاطها بجثث القتلى لما يسببه ذلك من وباء عام خطير، الجثث تجمع بالجرافات، وتدفن بحفر جماعية، لصعوبة الأمر، ولمحاولة إنقاذ الأحياء من الروائح والأمراض، هذه صورة مجملة للحدث، لخصها وصف أحد النواب في مجلس العموم البريطاني (مايك غريفيث) والمقيم حاليا في إندونيسا بعد قيامه برحلة بالطائرة فوق السواحل الغربية لسومطرة المنكوبة، بقوله:"يبدو الأمر وكأن انفجارًا نوويًّا قد وقع وسوى المنطقة بالأرض، ويذكر: أنه طار فوق منطقة تمتد ستين ميلا بين مولابوه وغالانغ حيث لم تتبق أي قرى، كما تبخرت بلدة كولونغ التي كان يقطنها نحو ثلاثة عشر ألف نسمة". (تصريحاته نقلتها شبكة الأخبار الأمريكية سي ان ان). وكما قال سكرتير عام الأمم المتحدة (كوفي عنان): "هذه كارثة عالمية غير مسبوقة يلزمها استجابة عالمية غير مسبوقة". هذا مجمل الحدث، أما التفاصيل: فأحداث مهولة، وقصص مفزعة، وحكايات يشيب لها الرأس، وما زالت عدسات المصورين تنقل صورًا محزنة تُفتت الأكباد، إن الحادث بحق حادث مفزع جلل، إنه حدث مهول، وزلزال مدمر، وطوفان عات مهلك، سبحان الله! إنَّ القلبَ ليحزنُ، وإن العين لتدمع، وإنَّ العقلَ ليذهَل، وليس من شيء يعبر عن الحالة التي وصلت إليها بعض المناطق هناك أفصح وأبلغ من هذه الآية، ]فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْس( أقاليم بأكملها دالت، وقرى زالت، وأمم بادت، إنها ليست مبالغات، بل حقائق واضحات، فبعض الجزر تمثل مقاطعة مستقلة غطاها الموج العاتي، وأفنى بنيانها الماء الدافق، وأهلك حرثها ونسلها اصطكاك تلك المياه بالأشجار والأبنية، فلا ترى إلا الجثث الهامدة، وبقايا الأجساد المتعفنة، منها ما هو طريح الرمال، ومنها ما هو معلق بالأشجار، ومنها ما زال مدفون تحت الأنقاض والغبار، والله يقضي بالحق، إنه هزة للقلوب الغافلة، وصيحة قوية مزلزلة، إن في هذا لذكرى للقلب المؤمن، ذكرى لمن يتعظ ويعتبر، وفي الأرض قلوب لا تتحرك، ولا تتأثر، قلوب قست وأظلمت، قلوب طغت عليها الشهوات، فلم تعد تتعظ، أو تتفكر،
فليـت قلـوب القسـاة تفيـق عليـه وتفتـح أقفـالهـا
وليـت عقـول عبيـد القيـود تثـور وتكسـر أغلالهـا
لقد أفزعتنا شـروخ المبانـي فقمنـا نعالـج أخطالهـا
أليست شروخ الضمائر أنكـى إذا استمرأ الناس إهمالهـا
[إن هذا الحدث فرصة لتوجيه الناس إلى ربهم، وتبصيرهم بقدرة القادر وقهره، وشديد بأسه وأليم عقابه، وغيرته على محارمه وحدوده؟! فهل قام الإعلام بهذا؟! لقد قام الإعلام في كثير من قنواته وإذاعاته وصحفه ومجلاته بدوره المعتاد في تمييع القضية، والميل بها عن أسبابها الحقيقية، ومقدماتها المنطقية، لقد وقع الزلزال في بام في إيران فعللوا ذلك بأنها منطقة زلازل، وكذا قالوا حين وقع الزلزال في المنطقة الغربية من تركيا والذي ذهب ضحيته آلاف القتلى ودمرت بسببه آلاف المنازل وارتفعت معه أمواج بحر مرمرة فابتلعت نادي الضباط البحري هناك في مرفأغولجوك، ولا تزال وسائل الإعلام اليوم تكرر بأن الزلازل كوارث طبيعة، وأن هذه الأرض أو تلك منطقة زلازل، وكلنا يعلم أن الحقائق العلمية الحديثة لا تخفى على علماء الأرض وما هي أسباب حدوث الزلازل، والفيضانات، ولكن تحرير أسبابها العلمية لا يخرجها أبدًا من كونها جندًا من جند الله، ولا أحد إذًا يُنكر الأسباب العلمية والمادية، لكن السؤال: لماذا تعمد تنحية النظرة الشرعية والسنن الإلهية في مثل هذه الأحداث؟! ]وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ(، فبأمر من يحدث الزلزال؟ وبأمر من تتحرك الأمواج والبحار؟! ]قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ(، ويبقى العالم بكل ما أوتي من قوة عاجزًا عن تلافيها أو دفع أضرارها، ] وَاللّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ(، إن المؤمن الصادق يعلم أن في الكون أسبابًا، وأن لأحداثه عللاً، ولكنه يؤمن أن الله خالق هذه الأسباب، وأنه موجد هذه العلل، فالله هو الذي يزلزل الأرض، والله هو الذي يجري الأنهار، والله هو الذي يرسل الرياح،كل شيء بأمره،]إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ(، فيا عجبًا لنا ولقلوبنا! أيعقل أن تُفسر تلك الأحداث بأنها حوادث طبيعية، وبسبب تقلص القشرة الأرضية، وكفى؟! عجبًا! الزلازل: عبارة عن رياح وأبخرة تحت الأرض، تبحث عن مخرج لها فإن وجدته خرجت على شكل بركان، وإن لم تجده تهتز الأرض، ويكون الزلزال، ثم ماذا ؟! أيمكن أن يكون هذا ثم كفى؟! أيعقل أن نسمع خبر هلاك نحو مائة وخمسين ألف نفس بلحظة، ثم كفى؟ أيمكن أن نشاهد زوال مدن ومقاطعات بأكملها وبكل من عليها بلحظة! ثم لا نتأثر ولا نعتبر؟ أيعقل أن يبقى الناس على بعدهم وغفلتهم وقسوة قلوبهم؟! أيعقل أن ترتجف المحيطات والبحار ولا ترتجف القلوب التي في الصدور؟ إن كان هذا فهو –وربي- أشد من تزلزل الأرض لأن موت القلوب أشد من موت الأبدان والعمران؟! عجيب حال الناس! الزلزال يضرب في جنوب البلاد، والناس في شرقها وغربها لا يزالون في غمرة ساهون.]وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ(. سبحان الله! ولا إله إلا الله والله أكبر! متى يشعر الإنسان بجلال الله وعظمتِه وجبروتِه، إن لم يكن في مثل هذا الحدث؟! متي يستيقظ القلب إن لم يكن في مثل هذه المحنِ والمصائِبِ؟! متى يعرِف الناسُ عزَّ الرّبوبيّة وقهرَها، وذلَّ العبودية وكسرَها، إن لم يكن هذه الفتن؟! فهيا أيها الإعلاميون والمثقفون، هيا أيها الدعاة والمربون، هيا لنرجع الناس للأسباب الحقيقية، فإنه لما وقع الزلزال في خلافة عمر بن عبد العزيز: كتب إلى عماله في البلدان، وأمرهم أن يأمروا المسلمين بالتوبة إلى الله، والضراعة إليه، والاستغفار من ذنوبهم. إنه ما نزل بلاء إلا بذنب، وما رفع إلا بتوبة، وصنائع المعروف تطفئ غضب الرب، والواجب على المؤمنين أن يكونوا على وجلٍ من ذنوبهم كما قال الحسن البصري رحمه الله: إن المؤمن لا يصبح إلا خائفًا ولا يصلحه إلا ذاك. فتدبروا -عباد الله- فآيات الله القرآنية تهز النفوس: ]ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ( واعتبروا -عباد الله- فآيات الله الكونية، تقرع القلوب، فالزلازل آية من آيات الله يخوف الله بها عباده، إنها رسالة لمن اغترَّ بعلمه وقوته بأنّه ضعيفٌ أمام قدرةِ الله، لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا،]وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ(. إنها رسالة توضح للإنسانِ قيمةَ هذه الدنيا وقدرَها ومِقدارها ومآلها، فهي معرَّضَة للزوال بكن فيكون، وحُطامها كله لا يساوي شيئًا، ]وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ(، وقال: ]قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ(. إنها رسالة توقِظنا من رَقدتنا لنتذكَّرَ الآخرةَ، فلقد خدَّرتَنا الدنيا بمفاتِنها، وشغَلتنا بهجتُها، حتى كأنّنا مخلَّدون على ظهرها، غير مرتَحِلين إلى بطنِها، وكأنَّ الموتَ والآخرة قِصصًا تُتلَى، وحديثًا يُروى ثم ينسَى. إن الزلازل رسالة وإنذارٌ لنا جميعًا بأنّ الحياةَ مؤقَّتة، وأنّ الأجلَ قريب مهما طالَ الأمل، وأنّ العبدَ عُرضة في كلِّ لحظةٍ للزوال فجأة. وأخيرًا إن زلازل الدنيا رسالة لصورة مصغرة، تذكر بزلزال الآخرةِ، ]يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ(. زلزال الآخرةِ: الأرض كلُّها تبدَّل والسماوات، والجِبالُ الشامخة تنسَفُ نَسفًا، والبِحارُ تفجَّر، وتنشقُّ السماء وتكشَط، وتغيُّراتٌ عَجيبة،]يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ(، ]وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا(. وهكذا أيها المؤمنون! فالمؤمن مرهف الحس لمثل هذه الأحداث، وهذا هو هدي النبي r؛ فكان إذا هبت الريح الشديدة عرف ذلك في وجهه، وحين ينعقد الغمام في السماء ويكون السحاب ركامًا بعضه فوق بعض ترى النبي r يُقبل ويدبر ويدخل البيت ويخرج والهم يعلوه، فتقول عائشة: مالك يا رسول الله؟ فيقولr: ((ما يؤمنني أن يكون عذابًا، إن قومًا رأو ذلك فقالوا: هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا، فقال الله:بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ )) حتى إذا نزل المطر سُرِّي عنهr. بمثل هذا الهاجس، يتعامل المؤمن مع الأحداث تعاملاً يثمر حياة القلوب ورقتها، روي الإمام أحمد عن صفيه أم المؤمنين، قالت: زلزلت المدينة على عهد عمر فقال: يا أيها الناس ما هذا؟! ما أسرع ما أحدثتم -يعني من العصيان والمخالفة- لئن عادت لا تجدونني فيها. لقد كان عمرt يعرف أن وجود بعض المعاصي داخل مجتمع المدينة سبب لوقوع البلاء، حتى ولو كان مجتمع المدينة المثالي الذي وضع أساسه وأقام دعائمه محمدr، فهلا سألنا أنفسنا اليوم وبصدق: أي شيء أهاج الأرض فأخرجها عن وقارها وسكونها؟ أي شيء أغضبها حتى ماجت ومادت؟ أعافت طول السكون و الهدوء؟
أم الأرض تحتج فـي ثـورة فمـا عهدت هكذا آلهـا
غلا مرجل الغيظ في صدرهـا فأرعشها بعض ما هالها
هي الأم غضبـى لفعل بنيهـا وقـد تنذر الأم أطفالها!
روى ابن أبي الدنيا عن أنس بن بمالك أنه دخل على عائشة هو ورجل آخر فقال لها الرجل: يا أم المؤمنين! حدثينا عن الزلزلة، فقالت:إذا استباحوا الزنا وشربوا الخمور وضربوا بالمعازف غار الله عز وجل في سمائه فقال للأرض: تزلزلي بهم؛ فإن تابوا ونزعوا وإلا هدميها عليهم. قال: يا أم المؤمنين أعذابًا لهم؟ قالت: بل موعظة ورحمة للمؤمنين، ونكالاً وعذابًا وسخطًا على الكافرين.(الجواب الكافي73)، وقال كعب:إنما تزلزل الأرض إذا عمل فيها بالمعاصي فترعد فرقًا من الرب جل جلاله أن يطلع عليها. وكتب عمر بن عبد العزيز إلى الأمصار: إن هذا الرجف شيء يعاتب الله عز وجل به العباد. بل إن الدواب والخلائق تتأثر لمعصية العاصي، قال أبو هريرة: إن الحبارى لتموت في وكرها من ظلم الظالم. وقال مجاهد: إن البهائم تلعن عصابة بني آدم إذا اشتدت السِنة وأمسك المطر، وتقول: هذا بشؤم معصية بني آدم، وقال عكرمة: دواب الأرض وهوامها حتى الخنافس والعقارب يقولون: منعنا القطر بذنوب بني آدم.(الجواب الكافي 94) إن عصيان الإنسان سبب لكل ما يحل به من بلاء وكرب، والمعاصي تزيل النعم وتحل النقم،]وَمَا أَصَـٰبَكُمْ مّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ(، ]ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيّراً نّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ(. بل لقد روي أن البحار تتزلزل غضبًا لمحارم الله، فقد جاء في مسند الإمام أحمد فيما روي عن عمر بن الخطاب t أن النبي r قال: ((ليس من ليلة إلا والبحر يشرق فيها ثلاث مرات، يستأذن الله أن ينتضح عليهم- أي على العصاة- فيكفه الله بمنه وكرمه))، فلا إله إلا الله، البحر يتمعر، ويتمنى إغراق العصاة، ويستطيع لكنه مأمور، كل شيء بقضاء وقدر والليالي عبر أي عبر
فهل يتعلم الناس من هذا الزلزال العظيم التوبة من العصيان، والتطهر من الذنوب والرجوع إلى الرؤوف الرحيم؟ أم أنهم يريدون أن يكونوا ممن قال الله فيهم: ]وَلَقَدْ أَخَذْنَـٰهُمْ بِٱلْعَذَابِ فَمَا ٱسْتَكَانُواْ لِرَبّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ( ]فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَـٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ مَا كَانُواّ يَعْمَلُونَ( . أيها المسلمون! لقد فشا في كثير من المجتمعات الإسلامية، بدع وشرك صريح، من طواف حول القبور وعكوف حولها وسؤال الأموات، ومحاربة للسنة والإسلام سرًّا وجهرًا، والحكم بغير شرع الله، والظلم والجور، وانتشار الربا وأكل أموال الناس بالباطل، وكثرة الفواحش؛ كالزنا وتبرج النساء، وشربت الخمور والمسكرات، وأدمنت المخدرات، كثر أكل الحرام، وتنوعت الحيل، شهادات باطلة، وأيمان فاجرة، وخصومات ظالمة، ارتفعت أصوات المعازف والمزامير، وفشت رذائل الأخلاق، حورب الدين وأهله، وسخر من الدعاة والمصلحين، وأصبح قدوة الشباب الفنّان والمطرب واللاعب، وحين ابتعد الناس عن الطريق المستقيم كثر الكفر والفسوق والعصيان، وقلّ الشكر وإرجاع الحقوق، كذبٌ وتزوير وحسد، وترك للنهي عن المنكرات، تبرج وسفور، وزنا ولواط، غيبة ونميمة، وجدال وخصومة، ]وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى(، ومن فضل الله ورحمته أنه لا يؤاخذ الناس بكل ذنب، ولكن إذا نسوا تذكيرَ الله لهم خوّفهم بالآيات التي تهتزّ لها المشاعر والأبدان، كالزلازل والفيضانات، والفتن والتفجيرات، وما ذاك إلا ليخوّف الله به الإنسان إذا تمادى في الطغيان، ولعذاب الآخرة أكبر، ولأمر الله أعظم، والأمة حين تغفل عن سنن الله تغرق في شهواتها وتضل طريقها حتى تقع في مصارع السوء، والعذاب يعم الصالح والفاسد كما ورد في الحديث: ((أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: "نعم، إذا كثر الخبث". ولقد كانت تلك الأمواج نعيمًا للمؤمنين المخلصين، فماتوا شهداء كما أخبر النبيr، وعذابًا للهالكين والغافلين، وللكافرين والفاجرين، ومن رحمة الله أن هذا الزلزال والطوفان لم يكن في الصيف؟! وإلا لرأيتم المصاب يمتد إلى أسر إسلامية وعربية كثيرة قد امتلأت بهم مناطق السياحة هناك. ومن لطف الله ورحمته، أن الزلزلة حدثت تحت مياه البحار والمحيطات، ونتج عنه موجات ضخمة عاتية قصفت الشواطئ والمدن الموجودة في محيط الزلزلة، ولو حدثت في اليابسة لكان هلاكًا عامًّا ودمارًا شاملاً، والله لطيف بعباده، ويبقى أيها الاخوة! دورُنا في الحدَث الإسهامُ والمسح بيَدِ الرّحمة والشّفقَة والمواساةِ للأنفس الحزينةِ التي تئنّ تحت وطأةِ المصاب، وتعيش الألمَ، وتتجرَّع الحزن، ورسولنا يقول: ((واللهُ في عونِ العبد ما كان العبدُ في عونِ أخيه)) رواه مسلم، والإسلامُ رَحِمٌ ورَحمة،]إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ
تطوير محمد عبد المقصود
|
 |